actualité

الاتحاد الأوروبي والنظام العالمي الجديد

يُعتبر الإتحاد الأوروبي التجمع الإقليمي الأكثر إندماجا على الصعيد العالمي، فهو يفوق الإتحادات الجمركية كتجمع الميركوسور (MERCOSUR) بأمريكا اللاتينية أو مناطق التبادل الحر كتجمع نافتا (NAFTA) بأمريكا الشمالية.

فالإتحاد الأوروبي و منذ تأسيس السوق الأوروبية المشتركة عبر اتفاقية روما سنة 1957 مرورا بمعاهدة ماستريخت سنة 1992 و وصولا إلى انضمام اخر بلد (كرواتيا) له سنة 2013 ليكون البلد الثامن و العشرون كان يعتبر التجمع الوحيد الذي لديه سياسة موحدة على مختلف المستويات سواء الإقتصادي منها (و يشمل الجانب المالي بحيث أن منطقة الأورو لديها عملة موحدة)، الخارجي، الدفاعي… على الرغم من تواجد بعض الخلافات الداخلية بالساحة إلا أنها ظلت قيد السطرة.

لكن، فور تنامي الخطاب الشعبوي و صعود اليمين المتطرف في عدة بلدان من الإتحاد و كذا مطالبة بريطانيا (التي تشكل ما يقارب ٪15 من الناتج الداخلي الخام للاتحاد و ٪12 من ميزانيته و ٪13 من سكانه) بالخروج منه، ما شكّل نقطة انقسام شنعاء تهدد ميادين شتى، بدا هذا الأخير يضعف شيءا فشيءا، فرغم محاولات ألمانيا قلب الاتحاد النابض و عقله المدبر و محرك اقتصاده الأساسي و بتزكية من فرنسا ماكرون الحليف إنقاذه، إلا أن دولا بدأت تتمرد عبر انتفاضة شعوبها.

َو في ظل الحراك المستمر بين المطالبين بالإبقاء على وحدة الإتحاد (الذي يشكل ثاني أكبر اقتصاد مجتمعا وراء الولايات المتحدة الأمريكية) و الساعين وراء المطالبة بنهايته و عودة السيادة الخاصة لكل دولة آخذين شعلة الحماس من بريطانيا التي خرجت رسميا منه، ظهر فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) ليؤكد بالملموس أن الإتحاد الأوروبي صاحب ال27 دولة قبل أزمة فيروس كورونا لن يكون هو نفس الإتحاد بعدها (على الأقل من ناحية القوة و انسجام المواقف السياسية). فهذه الأزمة قامت بتعرية معاني الاتحاد، فرأينا دولا تسرق معدات و مساعدات طبية كانت متجهة لدول لأخرى متنصلين من كل الشعارات الرنانة (تآزر و تعاون و اتحاد)، ولسان حال كل دولة يقول “أنا و من بعدي الطوفان”. فرأينا على سبيل المثال في إيطاليا (مهد الإتحاد عبر استضافة اتفاقية روما، و إحدى الدول الستة المؤسسة له) أناساً يقومون بإنزال العلم الأزرق الذي ظل لسنوات يرفرف جنبا إلى جنب مع العلم الإيطالي، معبرين عن تذمرهم و تبرؤهم من هذا الهيكل العجوز، و غير بعيدٍ عن إيطاليا، نرى صربيا التي ظلت تنتظر لسنوات مباركة أسياد الإتحاد تحت قبّة بروكسيل للإنضمام لهم، تتبرأ من خذلانه لها في عز هذه الأزمة و تتوجه بشكرها المنقطع النظير للمارد الصيني الذي أطلق صافرة انطلاق الفيروس في أنحاء المعمورة.

و من وراء المحيط الأطلسي، نجد القوة العظمى، سيدة العالم لعقود، صاحبة العملة الخضراء و الوصية الوحيدة على النظام العالمي منذ سقوط الإتحاد السوفيتي مطلع تسعينيبات القرن الماضي (1991) تتخلى عن صفات الوصاية و مساعدة بلدان العالم و الإسهام في تنميتهم، و تهرول وحيدة تبحث عن حلول لإيقاف انتشار هذا الفيروس فرئيسها ترامب لا يفكر في أي دولة أخرى غير بلده و إن اضطر إلى استعمال القوة فلن يتردد في اظهارها في سبيل كمامات، أجهزة تنفس اصطناعية، قفازات، أدوية و ما إلى ذلك…

و بالعودة إلى مُنطلق الفيروس، الصين صاحبة مبادرة “الحزام و الطريق” التي تسعى من خلاله إحياء طريق الحرير القديمة بل و السيطرة على التجارة الدولية متحكمة في البنى التحتية المنتشرة في شتى بقاع القارات الثلاث (آسيا، أوروبا و إفريقيا) كيف لا و هي مهندسة بناء هذه المشاريع!
هذا البلد قد تغلب على الفيروس بشكل يبهر البعض و يضعهم تحت وقعة الدهشة و الذهول و يدخل الريبة و الشك في آذهان الآخرين، لكن الأكيد بين هذا و داك، أن التنين الصيني أصبح يجود بمساعداته لمكافحة الفيروس على دول كانت في الأمس القريب تنظر لهذا البلد على أنه بلد متخلف، في طور النمو، معمل العالم… و ما إلى ذلك من ألقاب، ليثبت هذا البلد هو الآخر أن ما قبل كورونا لا يشبه ما بعده.

فإن كانت الصين و قبل مجيء الكورونا قد تفوقت تجاريا على الولايات المتحدة الأمريكية بإزاحتها من العرش التجاري، و مقتربة خطوة بخطوة نحو إزاحتها من العرش الإقتصادي على المدى المتوسط ثم العسكري على المدى البعيد، فقد كسبت أيضا مع مجيء الكورونا و بالضربة القاضية (دون الإحتكام إلى النقاط) حلفاء آخرين كانوا بالأمس القريب في الحضن الأمريكي.

النظام العالمي الذي ظل أحاديا تحت قبضة بلاد العم سام منذ سقوط الإتحاد السوفياتي يتغير بالتدريج نحو نظام جديد (و ما كورونا إلا محفز لتسريع الوصول إليه) تتجلى أبرز ملامحه في :
– صعود الصين كأكبر قوة إقتصادية (صحبة الولايات المتحدة الأمريكية في المدى المتوسط) و تَسَلُّمُهَا مشعل القوة و السلطة على المدى البعيد .
– تفكك الإتحاد الأوروبي في مقابل ظهور تجمعات جديدة (خاصة بإفريقيا و آسيا)
– إعادة النظر في العلاقات الثنائية و المتعددة بين البلدان.
– تفوق اقتصاد المعرفة و الذكاء الإصطناعي
– أفول قوة الدول البترولية.

Hicham Lam’hammdi

Laisser un commentaire

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.